أحمد بن يحيى العمري

59

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وتتبلج غرّة الفجر في ظلماته ، وهو مع كونه تحلّى بحلية الكافر ، يروع كلّ كافر مشرك ، ويحقق بركضه أن الليل الذي هو مدرك « 1 » ؛ والحمد لله الذي جعل صنائع أمير المؤمنين عند من يرتبطها بعلائق شكره ، ويحرسها بالتوفّر على جميل ذكرها في ذكره . ومنه قوله : فلان يطرق الدّهر إذا نظر ، وينظر المجد إذا افتخر ، سعى إلى العلياء فأدركها ، وعاقد عليها الآراء فملكها ، وهي ما تدرك بغير السماح ، ولا تملك إلّا بأطراف الرّماح . ومنه قوله : والبلاغة ميدان لا يدرك إلا بسوابق الأذهان ، ولا يسلك إلا ببصائر البيان ؛ وقل من يركب طريقها على التغرير ، أو أمل قطعها بالتقصير ، إلا فضحته المطاولة ، وكشفت خلله المساجلة ، فسقط من حيث أمل الرّفعة ، وذلّ من حيث حاول المنعة . ومنه قوله : وأما هذا الفتح ، فأوصافه لا تدرك بالعبارات ، ولا تدخل تحت العرف والعادات : [ البسيط ] فتح أنار الهدى بعد الظلام له * واسترجع الدّين من بعد الرّهان به

--> ( 1 ) من قول النابغة الذّبياني : [ ديوانه 52 ] فإنّك كالليل الذي هو مدركي * وإن خفت أن المنتأى عنك واسع